غادة فؤاد السمان شاعرة عربية أصيلة فهى كما
تقول على نفسها أنها لم تكن ليلى. وليس لها في العشــق قيـس .. أو جميل ، غادة تقرأ
بنهم وتنام بلا انقطاع وتواصل التشرد بأرستقراطية ، وقبل أن تقع في حب القلم كانت
تهوى الدرجات الهوائية والسباحة لذلك هوينا نحن كتاباتها وسبحنا في بحورها الشعرية
ولفنا صدق كلماتها ،
وهذه الشاعرة تقول أنها من مواليد الصفر.. لتاريخ الشطب والمحو والتماهي.. فـي شهر
اجترار الخيبة.. من يوم الشؤم الـمتكرر. وهي أنثى لزمن غادر، بنت التجربة
الـمستحيلة، عاشقة لـمستقبل زائل، واهمة كبيرة لحلم صغير، تتحايل على الـموات
الدائم بالكتابة العقيمة، ريثما تستعيد الجدوى دورتها الناقصة، تستنهض بالحرف
قامتها الحبيسة، تعلي رأسها بالكلمة أمام أمّة أدمنت تنكيس الرؤوس منذ نصف قرن
ويزيد. غادا هذيان متكرر لـمتلقّ ناء، مجنونة ودودة لراهن أحمق، طائشة نقيّة لسواد
محتـّم، واصلت دراستها بعبثية أوصلتها السنة الثالثة فـي الأدب الفرنسي فـي جامعة
دمشق كلية الآداب انتهت بعدة تقارير وملاحقات ترويضية لم تجد نفعا أسفرت عن انسحاب
صامت، لتلتحق بفرع العلوم السياسية في مدينة بيروت. متوقفة عند عتبة السنة الثانية
بعد أن استفحلت لديها أعراض الحمى الكتابيّة. أصدرت فـي العام 1989 مجموعتها
الأولـى فـي دمشق بعنوان فـي العام 1991 أصدرت المجموعة الثانية فـي دمشق أيضا
بعنوان الترياق ، وفـي العام 1995 صدر لها : " بعض التفاصيل " فـي مدينة بيروت،
وفـي العام 2001 صدر لها عن "دار الهادي" البيروتية كتاب نقدي بعنوان " إسرائيليات
بأقلام عربية : الدس الصهيوني " أحدث دوياً هائلاً في الأوساط الثقافية والسياسية
معاً ، محقـّقـًا الـمبيعات الأولـى فـي معرض بيروت الدولـيّ العربيّ للكتاب للعام
2001، متصدّرًا العناوين العريضة فـي معظم الصـّحف اللـّبنانيـّة والعربيـّة. صدرت
لها الطبعة الثانية من الكتاب الـمذكور أواخر العام 2002. تكتب في الصحافة العربية
منذ العام 1993، وقد أشغلت في بيروت منصب سكرتير تحرير القسم الثقافـي لجريدتي "الديار"
و "اللواء" منذ العام 1993 وحتى العام 1996. نشرت زاوية أسبوعيّة ثابتة في صحيفة "الكفاح
العربي" اللبنانيّة بين عامي 1997و 1998. تابعت النشر الأسبوعي فـي كل من صحيفتيّ "النهار"
و "السفير" اللبنانيتين ، بين عامي 1988 و 2000. واصلت النشر فـي صحيفة "الحياة"
اللندنيّة لتتوقّف عن النشر عنوة فـي العديد من الصحف اللبنانية فـي العام 2001 بعد
إصدار كتابها النقدي الأخير. لها حضور إعلامي مميز فـي الـمشهد الثقافـي يزيد عن 52
ساعة تلفزيونية بين مقابلة وندوة فـي معظم الفضائيات العربية واللبنانية والسورية،
أ كثر من ثلاثين ساعة إذاعية أيضـًا موزعة بين إذاعات عربية ولبنانية وسورية،
ومقابلات مقروءة فـي معظم الصحف والمجلات والدوريات. كتب عنها أهم الأقلام العربية
التي ستجمع قريبـًا في كتاب قيد الإعداد والتنسيق. وتحت الطبع مجموعة شعرية بعنوان
"ما قبل القيامة". غنت من كلمات غادة فؤاد السمان السيدة ماجدة الرومي أكثر من
قصيدة عضو "اتحاد الكتاب العرب: جمعية الشعر". شاركت فـي مهرجان الشعر العربي فـي
دمشق العام 1997، ومهرجان الشعر العالـمي فـي مدينة حمص العام 1995، ومهرجان
الشاعرات فـي مدينة جبيل ـ لبنان العام 1996، ومهرجان الربيع فـي ليبيا العام 1998،
ومهرجان البجراوية للشاعرات العربيات فـي الخرطوم العام 2002. وشاركت فـي التظاهرة
الثقافية على هامش معرض الكتاب الدولـي العربي في بيروت العام 2000. كرّمت في ملتقى
الشعراء في مدينة صفاقس التونسية بدرع الصنف الأول، وبدرع وزارة الثقافة التونسية
على هامش معرض كتاب الطفل في مدينة صفاقس أيضـًا العام 2001. قلّدت العديد من
الدروع والشهادات التقديريّة فـي عدة أمسيات وندوات نقدية وشعرية مختلفة. عضو فـي
لجنة التحكيم لجائزة سعاد الصبّاح الشعرية عام 1998 و 2000. عضو مؤسس فـي حركة
الشباب العربي فـي الـمركزيّة اللبنانية عام 2003. تعالج داء البطالة حاليـًّا
بفائض من القروض الـمستحقـّة، على أمل تحرّك لجنة حقوق الإنسان لدعم الـمثقف بعيدًا
عن الوقوع فـي مطبّ التبعية والاستزلام. تواصل النشر فـي مجلـّتي "الشاهد" و "الفردوس"
اللبنانيتين و "نزوى" العـُمانيّة. مؤسـّسة "صالون التواصل للأدب والثقافة"، بيروت
2002 .
التقيتها الفترة الماضية ودار بيني وبينها هذا الحوار الذي عرفت من خلاله مدى عشقها
وحبها للكلمة والحرف المنور .
– لماذا تكتب غادة فؤاد السمان ؟
على الرغم من بساطة هذا السؤال، إلا أنّ وقعه صاعقا لو شئنا له ترجمة حرفية
فاعلة وقادرة على التأثير في منطقة غير آمنة في أعماقنا محكومة غالبا بحساسية مفرطة،
كأن نتوجه بسؤال مباشر لأحدهم بالقول لمَ تحيا؟
الكتابة كما يقول الكاتب الفلسفي "حسن عجمي " تحقيق للإنسانية ، وأنا أقول الكتابة
فرصة استثنائية للحصول على مزيد من الأوكسجين ، وسيلة للتحرر الآني من أغلال الواقع
الممل، محاولة للارتقاء من العادي إلى ما يستحق الحياة والتأمّل والتبصّر والوعي
والنهوض وإن على مضض، أو على تكاسل حال الأمّة العربية جمعاء، فمجال النهوض محدود
جدا ومؤطّر جدا ومرهون جدا. لهذا نملك دائما حجّة بليغة للتعبير عن تكاسلنا تصل
أحيانا إلى حدّ المُباهاة، وبين مُباهاة وأخرى ننتبه قليلا إلى ما نحن عليه ونكتب
لنجلد ذواتنا بالكلمة، وسيلتنا الوحيدة إلى الصراخ الصامت، الذي يؤكد ما تبقى فينا
من أنفاس مهترئة.
– وهكذا أتكلم أنا ، بالتأكيد الإصدار الأول له معزة خاصة لديك ؟ وهكذا أتكلم أنا... معزته أو اعتزازي به إن شئت لم تكن من باب التراتبيّة
كإصدار أول، إذ أنه كان من الجائز أن أكتبه اليوم أو بعد حين، وربما كان الأخير.
وهكذا أتكلّم أنا... كان ولا يزال لسان حالي ، والناطق الرسمي باسم الجملة العصبيّة،
والبوصلة الدقيقة لجداول روحي ورؤاي ومخيلتي وتفكيري، وأقول جداول ليس لضيق الأفق
بل ليسرها، فالتفكير والتأمّل والاكتراث بطبيعة ما يشغلني يأخذ حيّزا وفيرا للتركيز
وليس للمفاخرة، شخصيّا لا تشغلني سوى تلك المسافة القائمة بين مهدي ولحدي، وما كل
خطوه أخطوها وأوثّقها كتابيا أو شفاهيّا إلا لأقترب من مثواي الأخير، وقد اخترت
أقصر الطرق وأعمقها وأصعبها على الإطلاق، وذلك عن طريق الذات وما تكتنفه من ثنايا
وخفايا ومنعطفات وتلافيف.
فهل أنا راضية عن "وهكذا أتكلم أنا "؟ سؤال أحيله إلى الإصدار عينه، هل لازال ذاك
الإصدار يحمل زهوه بي ويحتفظ لي بكامل ألقي يوم كان؟.
– الترياق الإصدارالثاني هل كان حقاً ترياقاً للقراء والإصدار الثاني في كل الأحوال
يكون أكثر نضجاُ من سابقه ، كيف ترين هذا الترياق ؟
الترياق، كان وصفتي الخاصّة لعلاج ذاتي وما ينتابها من هواجس ومشاعر وأحاسيس
ولواعج وإرهاصات، دونتها نبضةً، نبضة.. عشت حروفها بجميع الحالات والمواسم، تماهيتُ
في ارتكابها كعاشق وكمجرم وكعرّاف وككاهنٍ وكناسك وكمتعبّدٍ وزنديق.
هل كان الترياق أكثر نضجا أو أقل؟ أتساءل غدا هل سأكون أكثر نضجا مما مضى أم أقل؟
سؤال أتركه في ذمّة النمامين لأنهم أكثر دقّة في التوصيف.
- صدر لك عن "دار الهادي" البيروتية كتاب نقدي بعنوان إسرائيليات بأقلام عربية :
الدس الصهيوني أحدث دوياً هائلاً في الأوساط الثقافية والسياسية معـًا فهل كنتِ
تتوقعين كل هذا الاهتمام بهذا الإصدار وما هو سر نجاحه في نظرك ؟
طبعا هناك "بعض التفاصيل " مجموعتي الشعرية الثالثة لا أعلم لمَ تأخذ نصيبها من
تسليط السؤال. وبالعودة إلى سؤالكَ، قبل إصدار الكتاب "إسرائيليات بأقلام عربيّة"
بأكثر من عام ، في مطلع العام 2000 تحديدا، كان لي حوارا طويلا في مجلّة "الصدى "
الإماراتيّة وقتها تحدّثت بإسهاب عن الإصدار قبل صدوره، وهذا الإسهاب لم يكن عن
تفاصيل المسرود الوارد في المؤلَّف بل عن أصداء هذا المُؤلَّف الحدث، وأذكر أنني
افتتحت الكلام بالعبارة التالية:"إسرائيليات بأقلام عربية سيهزّ كيان الثقافة
العربية عبر أرجاء العالم العربي كافة" يومها نعتُ بالغرور والمبالغة والتهويل،
وبعد إصدار "إسرائيليات بأقلام عربية " كان كل ما توقعته حرفيا بل أكثر، وما توقعته
مدوّن داخل سياق الإصدار برشاقة وافية وثقة هائلة بالنفس بما جناه يميني وذهني
الشغوف، حيث تتموضّع الكثير من العبارات التي كانت بمثابة مخطط بياني لبورصة التلقي
المتوقعة، والتي جاءت مطابقة كلّيا لكافة المجريات التي أعقبت الإصدار منذ العام
2001 حتى اليوم .
تسألني عن سرّ نجاح الإصدار، أجزم أنه حقيقي بدرجة يعزّ على مثقفي ومتثافقي اليوم
تعرية كينونتهم الفكرية وكيانهم المعرفي ليكونوا أنفسهم ويتوحدوا قولا وحبرا لدى
ملامسة مرايا الرصد والتجسيد، فكم من وجوه نعرفها بأقنعتها ونجهل حقائقها وقت
التعرية والمواجهة. وكم من أقلام تكتب خلاف ما تكتم وتضمر وتخفي؟! .
"إسرائيليات بأقلام عربية " لو لم يكن لغما حقيقيّا لما أدى بي إلى ما أداه من
إعاقات وعاهات مزمنة، أحد المستشارين الحكوميين رفيعي المستوى في دولة شعارها
الصمود والتصدّي، أشاد إشادة عظيمة بالإصدار لكنه اعتذر بضراوة عن تبنّي الإصدار
لاعتبارات سياسيّة ، ولباقات ثقافية، ومجاملات مثمرة على مختلف المستويات، لم أقبل
اعتذاره حينها لتأكيد إعفائي له من مهمّة التبنّي عندما صرّحت له، أنّ إصداري شرعي
للغاية ويفخر بِنَسَبِهِ لي وانتمائه إلي، وهو لا يحتاج أي صيغة من صيغ التبنّي
لأنه لم يكن "لقيطا " في أيّ مقام كان .. وهكذا أخذت على عاتقي وحدي حماية إصدار
إسرائيليات بأقلام عربية بكل ما أوتيت من يقين وإرهاق وضرائب متعاقبة، في مجتمعات
ثقافية هدَرَت دمي، وشلّت أوصال حضوري، وأحالتني إلى ثلاجة الوقت والتعطيل والإهمال.
لو أنّ كاتبا أميركيا أو أوربيّا حقق كتابه المبيعات الأولى في معارض دولية لدورتين
متتاليتين واحتلّ العناوين العريضة لأهم الصحف، فهل يُمكن وقتها أن نتوقع تقهقرا
لوضع هذا الكاتب المعنوي أولا والمادي بشكل مريع وإيقافه عن العمل قسريا، أليست
الحكومة وهيئاتها الثقافية واتّحاداتها الناشطة التي تدّعي حماية الكاتب والتي
تكلّف خزائن الدولة الشيء الكثير، هي المسؤولة عن حماية الكاتب ورعاية شؤونه
ومصالحه؟ ثمّة مبتدِئات بالكاد يملكن قاموسا لتدوين جملة ركيكة، ومع ذلك أصبحن في
مقدّمة الركب يترأسنّ منابر ويفتتحن مطبوعات ويشرفن على البورصات الثقافية وتوضع في
تصرّفهّن أرصدة باهظة تدعم ظهورهّن بكل الترف الذي لم يحلمن به حتى في أشهى أحلامهنّ،
وأنا التي أكتب منذ عقدين من الزمن وشهدَتْ بحقّ أبجديّتي المتميّزة أهم الأقلام
العربية على امتداد الخارطة الثقافية، ومع ذلك لازلت مطالبة بتأكيد شرعيتي وأحقيّتي
الإبداعية، لا لشيء سوى أني اعتمدت على رصيدي الفكري الروحي الإنساني بجديّة أعتزّ
بها، لا على رصيد علاقات مشبوهة لا تخلُ من زيف ورياء، كلّ هذه الجدلية التي أعيش
مدّها وجزرها كفيلة بجعل الإصدار وصاحبته، موضع الاكتراث والمُتابعة من قِبَل الذين
يكرهون ويكرهون، ويتقنون جيدا كيف يكيدون الكيد وملحقاته، وكلّما أحكمت دائرة
التنغيص والتعتيم والإعاقة حولي، كلّما أدركت نجاحي أكثر، الذي لم يعد سرّا يخفى
على أحد.
– زرتي ليبيا سنة 1998 وشاركت في مهرجان الربيع ما هو انطباعك عن تلك الزيارة وكيف
رأيت المشهد الثقافي الليبي ؟
بين 1998 وبين اليوم 2008 عشر سنوات مضت وهذا عقد كامل من الزمن، وهو يعتبر
وقت طويل نسبيا بعمر الشعوب والدول .. على صعيد الدول المتقدمة الساعية لأي تطوّر
كان، أو حتى تقهقر أو تردي كما يحصل عادة في العالم الثالث وحده، ومن المجحف بحق
ليبيا أن أتحدّث عنها في المرحلة المذكورة، فقد كانت تعاني معاناة فادحة بسبب
الحصار المفروض عليها، ومهرجان الربيع كان لفتة ذكية وهامّة جدا من السيد معمّر
القذافي عندما استقطب 500 شخصية فاعلة من جميع دول العالم لتشهد وترى، وأفخر أني
كنت الشاعرة الوحيدة من بين 38 شاعرا اعتلوا المنبر للمشاركة، وعدّتُ في حينه
مُدججةً بالأحاسيس والمشاعر المُتناقضة وخاصّة أنّ الكرم الليبي فاق التوقّع فقد
كانت رحلة فاخرة بامتياز كُتَب لها بحكم تقّطع أوصال الخطوط الجويّة الواصلة مباشرة
إلى ليبيا أن نقوم بجولة مترفة عبر عدّة عواصم عربية ونمضي في فنادقها الراقية،
أياما ناهزت الشهر ويزيد استغلّها البعض من الوفد المُشارك أيّما استغلال أسفر عن
أرقام باهظة للغاية.
ولم تكن المحطّة الليبية وهي أساس الجولة، تزيد عن ثلاثة أيام فقط، كُثّفتْ فيها
البرامج بشكل هائل ومُرهق في آن، وأرهقَ ما كان فيها، شعوري بمعاناة الناس الذين
لفتني بهم تلك العفوية والطيبة والتلقائيّة والغصّة المريرة مما يعانون، وكتبت في
حينه عن ذلك في أكثر من صحيفة عربية، وتحدّثت تلفزيونيا في عدة محطات أهمها في ذاك
الوقت عبر شاشة المؤسسة اللبنانية للإرسال (l.b.c.) وعلى شاشة المستقبل وغيرهما،
ولا أستطيع أن أجزم بشأن المشهد الثقافي في عجالةِ وعموميةِ ما ذكرت، ولكن في
الإجمال ثمّة مبدعون حقيقيون لا يزالون داخل الجماهيرية الليبية نعتزّ بنتاجهم
الإبداعي الذي يصل بخفر شديد ربما، وأيضا هناك مبدعون كثر تخطّوا جغرافيا
الجماهيرية إلى تخوم العواصم الفسيحة لاحتواء الضوء. وبجميع الأحوال أستطيع القول
أن ليبيا الألفية الثالثة تختلف عما كانت عليه وهي على أهبّة الانفتاح والنهوض،
ولطالما لفتني السيد معمّر القذافي بسياسته الآخذة في التصعيد أحيانا والتهدئة أخرى،
وكأنّه يملك فراسة عميقة تخوّله ضبط اللحظة الحاسمة للصعود أو الصمود، للإقبال أو
الإدبار. وربما أكتب عن ذلك في مقام آخر بشكل أكثر تفصيلا.
– المشهد الثقافي اللبناني كيف ترينه ؟
المشهد الثقافي اللبناني بجميع تردّياته ، يظلّ الأكثر حيوية في المنطقة
العربية عموما ، يساعده في ذلك وفرة المنابر وتنوعها، الانفتاح على الآخر وعلى كافة
التنوعات الثقافية ، أضف إلى وفرة الوسائل والوسائط الإعلامية من مرئي ومسموع إذا
استثنينا المكتوب منها، ولكن ثمّة واقع يفرض نفسه وهو أنّ الثقافة الفعلية للأسف هي
حكر على دائرة الضوء، وقد وُظّفت توظيفا سخيّا لخدمة "البريستيج " الاجتماعي
والسياسي على حدّ سواء بما فيهم الاقتصاديين الذين دخلوا الدائرة الثقافية لاستثمار
الضوء بجيوبهم المُتخمة، وليس بنبضهم الحيّ الرشيق. لا شكّ من توفّر الكثير من
المناسبات الثقافية في لبنان، ولكنها مناسبات أقرب للتبادل والتباهي الاجتماعي أكثر
من كونه للتلاقح الفكري، والتلاقي الوجداني.
– شبكة المعلومات الدولية قدمت الفرصة لكل المثقفين في التواصل مع القراء بكل سهولة
ويسر فهل ترين هذا التيسير حالة صحية أم أنه في أغلب الأحيان يكون على حساب الكتابة
الجيدة الرصينة والحقيقية ؟
الشبكة العنكبوتيّة هي أشبه بسوق عام، فيه الغثّ وفيه السمين، للجميع الحق في
عرض بضاعته، والمتلقي يخضع لمفهوميّ العرض والطلب، فالكتابة الجيدة متوفّرة
والرخيصة كذلك، ولكن السؤال هل كل من يكتب لا يزال يعتبر بقدسية الكلمة ومسؤولية
وقعها؟ نقرأ لكتّاب كبار جدا يشغلون أكثر المنابر بريقا ومع ذلك، يقتصر التداول
المُبهم وتكريسه المُريب على أهمّية الاسم، بغضّ النظر عن فحوى ومضمون النص الذي
يأتي خاويا بكل معنى الكلمة في كثير من الأحيان، لكنها اللعبة الثقافية ولها
ملائكتها وزنادقتها. أثيريّا كما ورقيّا بذات القدر وإن بدت أكثر.
– قائد ثورة الفاتح العظيم دائما يساند ويقف مع المرأة أينما كانت من خلال دعمها
والمطالبة بأن تتحصّل على كامل حقوقها كيف ترين هذا الوقوف والمساندة من قائد ومفكر
وفيلسوف كمعمر القذافي ؟
السيد معمّر القذافي إنسان، وهذا حسبه، وهو بسيط ونبيل وصادق وهذا رأي،
فالسيد القذافي عُرِف بانفعالاته، والإنسان الانفعالي إنسان أولا، وصادق دائما،
وحده المزيّف والمدّعي والمراوغ والمخادع يستطيع أن يكبح جماح كل ما يدور في فلكه
الداخلي، فيضمر خلاف ما يُظهر، وهذا كائن خطير وخطره الكبير يكمن في تحييد وتجميد
انفعالاته التي بوسعها أن تخطط وتدبّر في غفلة عن الطيبين أمثالنا والتي تنطلي
عليهم حيل الدُهاة والماكرين، بينما السيد القذافي دائما يعبّر عن داخله بمنتهى
الوضوح والمُباشرة دون لفّ أو دوران أو تلون أو تضليل، وربّما أنا أميل إلى هذا
النوع من البشر، فالإنسان الانفعالي أكثر دفئا وشعورا وإحساسا وصدقا وحميميّة،
أعماقه آمنة لا تعرف المكائد والصقيع والخبث، وهذا الطبع لا يعرف الكره أو الغدر أو
المكر أو التدليس، وأذكر ذات مناسبة في دمشق قبل سنوات عديدة قدّم لي القائم
بالأعمال في السفارة الليبية الكتاب الأخضر ولفتني وقتها الإهداء: "إليكِ أغلى ما
أملك " قلّبت الكتاب وقتها بتعجّب كبير واستغراب أكبر عن مبالغة العبارة، وعن ماذا
حظيت به فعليا من ذاك الرجل، وبعد قراءة "الكتاب الأخضر " أدركتُ ما يعنيه.
أمّا عن دعم السيد معمّر القذافي للمرأة، فقد سمعت الشيء الكثير ولفتني أنّ حمايته
الشخصية ومرافقيه هنّ من الجنس اللطيف، وأذكر في اليوم الثالث من فعاليات مهرجان
الربيع، قد دُعينا للقاء مع السيد القذافي في "سرت " تحت لواء خيمة خلابة في
التصميم، وعامرة بتقدير الحضور والاهتمام بهم، لكن يؤسفني وقتها أنّ تلك اللحظة
كانت ممنوعة من التوثيق بحجب كل الكاميرات ومصادرتها عند المدخل، وبتقديري اللقاء
مع السيد القذافي كانت لحظة نادرة وجديرة بالاحتفاظ، كتلك التي أحتفظ بها في لقاء
السيد "عمر البشير " الذي أتاح للمصورين دون تردد بالتقاط عدد من الصور، في مهرجان
البجراويّة في الخرطوم، بعد ذلك فوجئت بمغلّف الصور من قبل المكتب الإعلامي في
القصر الرئاسي عن طريق السيدة الفاضلة رجاء الحسين رئيسة اتحاد المرأة السودانية،
وهذه اللحظات المُصادرة يصعب تكرارها حتما.
كما أذكر تماما أنّ المسافة لم تكن تتعدّى الأمتار الثلاث بيني وبين السيد القذافي
لكنّ المتدافعين إليه كانوا يتعدوا الثلاثين حاضرا ومتزاحما إليه، كنتُ أحمل رسالة
عكفت على كتابتها ليل ذلك اللقاء وضحيت بساعات النوم القليلة المتيسّرة في زحمة
الترتيبات والمواعيد، وعلى الرغم من شوقي الكبير للقاء الرجل الذي تبنّيت انفعالاته
الوفيرة وما ينجم عنها من مواقف في الكثير من المناسبات، وعلى الرغم من كل الخلافات
التي كانت وما تزال تصاحب موقفي تجاهه مع كثيرين حولي، طويت وقتها الرسالة ودسستها
في جيبي وعدّت على أعقابي بتصميم كبير على عدم الخوض في أيّ نوع من التزاحم الذي
شهدتُّه بشكله المريع، أذكر بعضاً من هؤلاء الذين شاطرتهم الرحلة بكامل حيثياتها
الهانئة والمُربكة أحيانا، وتقاسمت معهم حبّات الفستق التي تيسّرت في حقيبة يدي
عندما طال الوقت بين الأراضي الليبيّة ونحن نغادرها برّا إلى الأراضي التونسية بحكم
توقف خطوط الطيران وقتها وهم / السيد وليد الحسيني رئيس تحرير الكفاح العربي- السيد
صابر فلحوط نقيب الصحافة في سوريا- السيد فايز إسماعيل أمين عام الحزب الوحدوي
الاشتراكي والمرحوم الناقد محي الدين صبحي وغيرهم/ الذين ما إن غادروا الأراضي
الليبية ك"زملاء " طيّبين تشاطرنا معاً تفاصيل الرحلة الطويلة، حتى تحوّل كلّ في
منصبه إلى إمبراطور الأباطرة الذين يصعب حتى مجرد التفكير بالتجرؤ في مهاتفته، وليت
الكاميرا كانت حاضرة لتسجّل دماثتهم المفرطة أمام السيد القذافي، بعد عودتي لبيروت
علمت أنّ مجلّة "الشاهد " هي بتمويل ليبي صرف، واعتبرت أنّ لي أولوية بلا منازع في
أخذ حيّز جدير لشاعرة وقفتْ على أهم منابر الجماهيرية وحظيت بتقدير القاصي والداني
من أنحاء العالم بحكم تنوّع الحضور وقتها، وفوجئت كما كل مسعى كسول أقوم به، وأعاتب
ذاتي على كسلها فيتبيّن صدق حدسها بالدليل القاطع على أنّ المنابر جميعها مصادرة من
قطّاع الطرق الثقافية ومحتكرة من ميليشات التلميع.
ولا ريب أنّ السيد القذافي داعم للمرأة، وأنا امرأة تستحق الدعم قطعا ً ، لهذا
أنتهزها فرصة من خلال هذا الحوار لاختزال رسالتي التي لم أسلّمها في حينه بين
المتزاحمين وأتمنى أن أجد مثل كثيرين جدا جدا ممن وجدوا الدعم الدائم لديه على
استحقاق ربما وعلى عدم أحيانا. إذ لطالما علمت أنّ هذا وذاك الذي يتقن قواعد
الفوقية بامتياز، يشدّ رحالِه إلى الجماهيرية لمقابلة معمّرها، ويمكث أيام وليال
بانتظار الإذن للقاء القائد، وما إن يحظى بالإذن حتى يُسهب في المطالب، ولم يتأخّر
المعمّر يوما بالجود عن أحد، لكن أن أحذو حذو هؤلاء، فبالتأكيد وبمشيئة الرحمن لن
أفعل، فلست ممن يتقنون التزلّف ولستُ ممن يحترفون السعي، وما الكرم إلا من عند الله،
وما الجود إن أصابني من أحدٍ إلا شرفاً يُضاف للجوّاد عينه.
- كيف ترين الحرية في العالم العربي ؟
الحرية مفهوم نسبي، لا مفهوم مُطلق، ولا شكّ يختلف هذا المفهوم بين بلد عربي
وآخر، كما يختلف في البلد الواحد بين بيئة وأخرى، فما يتوفر في لبنان مثلا كبلد دفع
باهظا ثمنا لحرّيته ولا يزال يتكبّد الشيء الكثير لأجلها لا يُمكن أن نراه في بلد
كالمملكة العربية السعودية على وفرة كل شيء فيها، والحرية ليست مجرد شكل منفلت من
عقال الالتزام، أو مجرّد ترف ومنشآت لا حدود لفخامتها، الحرية معنى ومبنى وأسلوب
ومسؤولية قبل كل شيء، شخصيا لم أعرف المعاناة في أي مرحلة من المراحل، وسعيدة جدا
بما توارثته من عادات دمشقية عريقة حملتها معي باكتراث بالغ نظّمت مفهوم الحرية لدي
وهذّبته.
– لك تجربة في كتابة الزوايا والأعمدة في عدة صحف عربية ، كيف تقيمين هذه التجربة
وهل تلك المواعيد الثابتة مع القراء تزيد من مسؤولية الكاتب ؟
ثمّة مرحلتان للكتابة في الصحافة العربيّة، تتمثّل في حضور واسع النطاق ما
قبل إصدار إسرائيليات بأقلام عربية، وحضور رغم الغياب المتّفق عليه في عموم الصحافة
العربية لما بعد إصدار إسرائيليات بأقلام عربية، ولا يخفى على العاملين في هذا
المضمار أنّ الكتابة بالنسبة للكاتب ليست مجرد وسيلة للظهور والتعبير عن الذات، بل
مجالا حيويا لكسب الرزق المشروع، وخاصّة أنّ الكاتب لا يملك وسيلة أخرى غير قلمه
ليعتاش منه ماديا ومعنويا بذات الوجوب والضرورة.
وحضوري في الحالين لم يكن بحكم صلاتي وعلاقاتي ومساندة هذا أو ذاك، فأنا خبيرة في
تكديس العداوات ويندر أن أفلح في الاحتفاظ بما يشبه الصديق إذا استثنيت فكرة الحصول
على صديق بمعنى الكلمة، ولطالما كانت مقالاتي الأسبوعية مثيرة للجدل، ودائما ثمّة
قارئ متطرّف على شاكلتها، كأن يتقبّلها عموما أو يرفضها عموما، ومن هنا فَرَضَتْ
مقالتي الأسبوعية نفسها لما فيها من طرح جريء ومباشر، حمّلني الكثير من التَبعات
التي أتمنى ألا تصل حدّ الويلات، ووقتها لا ينفع حرف ولا حبرٌ ولا من يحزنون .
قبل إسرائيليات بأقلام عربية كنت قد اعتدت تصدير المقالات في وقتها، واعتاد القارئ
تناول مقالتي بكثير من اللهفة، كنت أتلقى على أثر كل نشر الكثير من الآراء
والتعليقات، بعد إصداري المذكور
أُقْصِيتُ قسرا عن جريدتيّ "الحياة " و "السفير " كمنبرين خاضعين لمزاجية رؤساء
تحرير بعض الأقسام، وكأنّ المنبرين ملكية خاصّة وامتياز حصري كرّسهم جبابرة المرحلة،
هكذا للأسف يتحوّل المثقّف العربي إلى دكتاتور يتحكّم بمصير سواه ما إن يصبح صاحب
قرار بأيّ شأن من الشؤون، في الوقت الذي يلعن سرّا وعلانية جميع الدكتاتوريين في
العالم. متناسيّا صعلكته التي عاناها ما إن يتسلل الدولار إلى جيوبه المثقوبة
ويَرْتُقَهَا، ويتعلّم لغة الحوار مع القناصل والسفراء والساسة والمسؤولين، من خلال
المشيمة السرية القائمة بينه وبين المنبر الذي يستظلّ بظلّه قاعدته إلى الانتشار
السريع بفتح دائرة العلاقات الأوسع، يتمحور بها ويدور حول نفسه يلملم كل الفرص
المتاحة وغير المتاحة، فيصاب ببارانويا الشخصانية والوهم، وعمى البصيرة التي تفقده
القدرة على رؤية سواه.
عبد القادر الجنابي ليس من هؤلاء، وآثر أن يبقَ وفيّا لزمن الكتابة الحصيف حين
بادرني دون مقدمات بطلب الكتابة في إيلاف. وأصبح لي مقالتي الأسبوعية في جريدة
الجرائد "إيلاف " التي أدين لها بأمرين كمصدر لسطوعي الحالي ومصدر للرزق، دون أي
مسعى بل ببادرة جليلة من شاعر كبير مقاما وحضورا هو "عبد القادر الجنابي " مؤسس
ورائد الحركة الشعرية الحداثويّة في العالم الذي التفّ الجميع حوله في زمن
التحوّلات ليس كحلفاء فقط، بل كتابعين لمنهج التجديد والتجريب الذي انتهجه الجنابي
في الحركة الشعرية والنثرية الحديثة، وأدين له انتشالي من ثلاجة الوقت والتعتيم
الطويل.
– لك تجربة إذاعية حدثينا عنها وكيف جاءت هذه الفكرة هل هي منطلقة منك ، أم أن
ثقافتك وشخصيتك وجمالك جعلوا المهتمين يقومون بدعوتك للعمل الإذاعي ؟
تجربتي الإذاعية في إذاعة "صوت بيروت " تجربة ممتعة بالتأكيد، تجربة أدين
للمهتمين بإتاحة فرصة ربما لولا أن توجّه لي تلك الدعوة لتقديم برنامج إذاعي لما
تنبّهت إلى تلك الإمكانية المتوفرة في خامة الصوت وإمكانيّة إدارة الحوار وتسخير
المخزون الثقافي والمتابعة اليومية لمعظم المُستجدّات كل ذلك كان رافدا لاستطاعتي
على الارتجال الدائم داخل الاستديو، وجميع الضيوف تشيد بتلك الملكة على الارتجال
المتواصل ضمن سياق الحلقة كأسلوب إعلامي جديد يتيح أكبر مجال للتفاعل والتحاور على
مدار البثّ، أمّا عن جمالي الذي يأتي في آخر اعتباراتي فأرجو أن يساندني لتوفير
فرصة مماثلة في مؤسسة تلفزيونية تحترم نهجها، وتحترم مشاهدها، وتحترم إمكانيتي بذات
القدر.
– غادة السمان هذا الاسم قد يتبادر لذهن من يسمعه أن المقصود منه هي الكاتبة
السورية غادة أحمد السمان هل أنت تسعدين بهذا الخلط ؟
ـــ أجزم أنّ السعادة من نصيب سواي في هذا الخلط ، فلولا اسمي المرتبط بحيوية
مستمرة لحبر وحرف وحضور لافت، هل كان من الجائز مثلا أن تستحضر ذاكرتك وسؤالك ، ذاك
الاسم الذي ذكرت في المطوي أعطاف البال ؟.
ــ القضايا العربية والصراع مع العدو ومع الغرب هل في نظرك أن الكاتب والأديب
العربي كان لهما بالمرصاد أم أن أغلب أدبائنا في الفترة الأخيرة أخذتهم الدنيا
وتناسوا ونسوا قضايانا ؟ القضايا العربيّة بعد غياب رجالها ومناضليها الأشاوس ومنظريها ومفكريها
وجهابذتها، بالتأكيد أصبحت مجرّد قضايا هزلية ، تستجدي السلطة أولا من قِبَل الأديب
لتكريسه بوقا من أبواقها ، وتستجدي العدو من قِبَلِ الطرفين، ليصبح سندا وجسرا
لتخطّي الحدود لغةً ومنابرَ وإصدارات، ليدخل المحافل الدولية الثقافية دخول
الواثقين .
– كانت لك كتابات حول مرض البطالة المتفشي في العالم العربي ..
ـــ داء الإفلاس هو الأخطر في عصر المال والتحولات الماديّة ، وعلاج الإفلاس هو
علاج فاشل إذا لم يتوفّر الراعي الحقيقي المُنزّه المؤمن بقيمة قلمي ومواقفه
وميزاته وحامله.
– هل المسابقات التي كثرت هذه الأيام في بعض الفضائيات تساعد في ظهور العديد من
الشعراء وتفعيل المشهد الشعري العربي ؟
أحترم في هذه المُسابقات كل المحاولين الجدد ليقدّموا ما لديهم ، وأحترم
اللجنة التي تأخذ تجربتهم على محمل الجد والتدقيق، ولكن ما لا أحترمه على الإطلاق
إدغام شعراء مكرسين على المنابر، ليستجدوا اللجنة والمصوتين لتقييم تجربتهم الشعرية،
أذكر في دورة سابقة أعلنت أحد الشعراء الضاربين في العمر والتجربة، أميرا لها،
وأذكر أيضا أني قبل أكثر من عشر سنوات تابعت لهذا الأمير المُستجد لقبا، مقابلة
تلفزيونية، شدّني إليها العملاق الذي يتظاهر حضورا وشعرا بكثافة هائلة، فكتبت نصّا
لا يخلُ من إعجابٍ يُذكر، عندما وجدته داخل المُسابقة يزاحم هذا ويدافع ذاك، وحسبما
نُمِيَ إليّ
أنه استغلّ المناسبة لترويج إصداراته وتسخير معارفه للتصويت والاتصال ولم يترك
وسيلة إلا واستثمرها لتعزيز زحفه اللاهث إلى اللقب، ولحظة التكريس صادف أني تعثّرت
بقناة البثّ، لفتني جدا كيف تحوّل ذاك العملاق الذي ذكرت إلى النقيض تماما بكل ما
في الكلمة من مشهديّةٍ وتوصيف، ولكننا للأسف نحن في عصر النفاق بامتياز، لهذا يكثر
المُباركون.
- حدثينا عن صالون الأدب والثقافة وماذا يمثل لك هذا الصالون ؟
عندما أطلقت اسم " التواصل للأدب والثقافة والفنون " على مشروعي الحيّ عبر
كافة الصحف التي سارعت للنشر مشكورة ، كان ذلك بحفل استقبال بحضور أربعة سفراء عرب
في دارتي "منزلي "، أقمته على شرف السفير التونسي آنذاك "فتحي الهويدي " بعد عودتي
من تونس التي كرّمتني وأفخر، في – صفاقس – باسم ملتقى الشعراء وباسم وزارة الثقافة
التونسية متمثّلة برئيس إدارة معرض كتاب الطفل الذي رأيت فيه تظاهرة حقيقية كبيرة
ولافتة أتمنى تكريسها على مستوى العالم العربي، ووقتها كان سعادة السفير الليبي
حاضرا في المناسبة أيضا، ولفيف من المثقفين والمهتمين، وكان لوقع إطلاق مشروع
الصالون الأدبي تأييدا مُطلقا من قِبَل الجميع، ولا أخفي أن التأييد الشفهي لم يجدي
عملا في الوقت الذي أحتاج فيه إلى كل مقومات الدعم المادي لاستمرار المشروع الذي
توقّف نظرا للظروف الحالكة.
– غنت من كلماتك الفنانة ماجدة الرومي أكثر من قصيدة حدثينا عن هذه التجربة وكيف
ترين السيدة ماجدة الرومي من خلال العلاقة التي تربطكما ؟
ماجدة الرومي شهادتي بها مجروحة تماما، فأنا شديدة الانحياز لصوتها ورقيّها
ولباقتها وتواضعها وإنسانيتها وأناقتها في الجوهر والمظهر، أعتزّ أنّ كلماتي عرفت
الطريق إلى خلايا وجدانها وحنجرتها، باحتفاء كبير حسب رأيها في أكثر من مناسبة،
نتواصل لأوقات بعيدة نسبيا، للأسف يضيق الوقت للتواصل المستمر بيننا، فالالتزامات
الفادحة عادة هي التي تقرر لنا أجندة المواعيد.
- ماذا تمثل لك بيروت ؟
– وطن حقيقي لكنه مُستعار، ملاذ جميل لكنه غير آمن، هاجس حيوي لكنه مؤرّق قضى على
بقية سلالات الحلم في داخلي، نبيل أرعن لا يقف ابتزازه المادي عند حدّ.
– ماذا يمثل الرجل في حياتك ؟
– همزة وصل لخيبة دائمة.
– كيف ترين الصحافة العربية هل ترينها بعين الرضا في العموم ، أم أن الصحافة
الصفراء تشكل سوادها الأعظم ؟
– لا أصنّف الصحافة بناء على ألوانها، لكنّها صحافة مترديّة بالتأكيد، فهي مرآة
عاكسة لحال مجتمعاتنا ودولنا وسياسيينا واقتصادنا وما يكتنف كل ذلك من نفاق وتدليس
ومراوغة مخزية، الصحافة عموما لم تعد سلطة رابعة كما حُددت رسالتها النبيلة، بل
أصبحت سلطة تابعة بعدما فقد معظم العاملين بها أرواحهم الحقيقية واتكلوا على
أقنعتهم وقدرتها الفائقة على دخول المزاد.
– ما هى آخر أعمالك الإبداعية ؟
– التحضير لإصدار مجموعة شعرية طال انتظارها، لما أتحلّى به من كسل مزمن، ولما
يعتري الوقت في بيروت من غدر مفاجئ، ومستجدات مُتعاقبة. ستكون انطلاقتها من عمان –
المملكة الأردنية الهاشمية، سأتحدّث بالتفصيل عنها لدى إصدارها قريبا بمشيئة الله.
- كلمة أخيرة تقولينها للقراء وكذلك للمسؤولين عن الثقافة في الوطن العربي ؟ افعلوا شيئا للذاكرة واحجزوا لكم وإن سطرا واحدا على متن صفحات التاريخ،
كفاكم ثرثرة وخوضا في الحبر الفاسد، الصحافة كلمة وموقف أمام الذات أولا، ستهترئون
قريبا وتلعنكم الحقائق التي تعلّمتم وأدها وطمر رؤوسكم في الوحل إلى جانبها،
أخرجوها للنور لتخرجكم معها، ثمّة أجيال تزدريكم، لا تأبه لرغوة الكلام الطافح من
صحافتكم الهشّة، لا تلتفت لهذركم الفارغ، ولا تباليكم، الصحافة ليست حكرا لطموحاتكم
الشخصية عبر المحافل، وليست مجرّد عباءاتٍ لتستر عوراتكم الإدّعائيّة القبيحة،
الصحافة رسالة لا يحملها سوى الأنبياء، والأنبياء لا يأتون إلا في الأزمنة
المُتهالكة، وهل من زمن تهالك أكثر من تهالك زمننا هذا؟.. سؤال أتركه في ذمّة ضمير
لم يَطلقْ عليه صاحبه بعد رصاصة الفساد.